ابن قيم الجوزية
269
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
محبته . ولهج لسانه بذكره . وانقادت الجوارح لطاعته . فإن هذه الكسرة الخاصة لها تأثير عجيب في المحبة لا يعبر عنه . ويحكى عن بعض العارفين ، أنه قال : دخلت على اللّه من أبواب الطاعات كلها . فما دخلت من باب إلا رأيت عليه الزحام . فلم أتمكن من الدخول ، حتى جئت باب الذل والافتقار . فإذا هو أقرب باب إليه وأوسعه . ولا مزاحم فيه ولا معوق . فما هو إلا أن وضعت قدمي في عتبته . فإذا هو - سبحانه - قد أخذ بيدي وأدخلني عليه . وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رضي اللّه عنه يقول : من أراد السعادة الأبدية ، فليلزم عتبة العبودية . وقال بعض العارفين : لا طريق أقرب إلى اللّه من العبودية . ولا حجاب أغلظ من الدعوى . ولا ينفع مع الإعجاب والكبر عمل واجتهاد . ولا يضر مع الذل والافتقار بطالة . يعني بعد فعل الفرائض « 1 » . والقصد : أن هذه الذلة والكسرة الخاصة تدخله على اللّه ، وترميه على طريق المحبة . فيفتح له منها باب لا يفتح له من غير هذه الطريق . وإن كانت طرق سائر الأعمال والطاعات تفتح للعبد أبوابا من المحبة . لكن الذي يفتح منها من طريق الذل والانكسار والافتقار وازدراء النفس ، ورؤيتها بعين الضعف والعجز والعيب والنقص والذم ، بحيث يشاهدها ضيعة وعجزا ، وتفريطا وذنبا وخطيئة : نوع آخر وفتح آخر . والسالك بهذه الطريق غريب في الناس . وهم في واد وهو في واد . وهي تسمى طريق الطير ، يسبق النائم فيها على فراشه السعاة . فيصبح وقد قطع الطريق . وسبق الركب . بينا هو يحدثك . إذا به قد سبق الطرف وفات السعاة . فاللّه المستعان . وهو خير الغافرين . وهذا الذي حصل له من آثار محبة اللّه له ، وفرحه بتوبة عبده . فإنه سبحانه يحب التوابين ، ويفرح بتوبتهم أعظم فرح وأكمله . فكلما طالع العبد منن ربه سبحانه عليه قبل الذنب ، وفي حال مواقعته ، وبعده ، وبرّه به وحلمه عنه ، وإحسانه إليه : هاجت من قلبه لواعج محبته والشوق إلى لقائه . فإن القلوب مجبولة على حب من أحسن إليها . وأي إحسان أعظم من إحسان من يبارزه العبد بالمعاصي ، وهو يمدّه بنعمه ، ويعامله بألطافه ، ويسبل عليه ستره . ويحفظه من خطفات أعدائه المترقبين له أدنى عثرة ينالون منه بها بغيتهم . ويردهم عنه . ويحول بينهم وبينه ؟ وهو في ذلك كله بعينه . يراه ويطلع عليه . فالسماء تستأذن ربها أن تحصبه . والأرض تستأذنه أن تخسف به . والبحر يستأذنه أن يغرقه . كما في « مسند » الإمام أحمد عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ما من يوم إلا والبحر يستأذن ربه : أن يغرق ابن آدم . والملائكة تستأذنه : أن تعاجله وتهلكه . والرب تعالى يقول : دعوا عبدي . فأنا أعلم به ، إذ أنشأته من الأرض . إن كان عبدكم فشأنكم به . وإن كان عبدي فمنّي وإليّ . عبدي ، وعزتي
--> ( 1 ) وأساس الذل والانكسار والعبودية : هو أداء ما افترض اللّه على العبد . وقد بين ذلك الرسول صلى اللّه عليه وسلم في قوله فيما روى البخاري عن ربه عز وجل « ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه » - الحديث » ومن زعم أن هناك ذلا وانكسارا مع إضاعة الفرائض ، وإهمال الحقوق والواجبات فهو أضل من البهائم .